8 - قيمة أدب كافكا

 

جرت العادة في الغالب عند قراءتي للرواية أن تكون قراءة إلى حدّ ما غير متمهلة - ربما بسبب الهاجس تجاه شبح الكتب العملاق الماثل في مكتبتي-، وغالباً ما أكتفي بانطباعاتي أثناء القراءة، وتأمّلات قد تطول وقد تقصر بحسب التأثير الذي يحدثه فيَّ العمل، وأقول في الغالب، استثناءً لعدة كتّاب أو كتب، وهو على كل حال استثناء ضيق، إذ إن هذه الاستثناءات كانت بمثابة فخ، فخ كان من الصعب عليّ تجنب الوقوع فيه، خاصة أن من نصب هذا الفخ كتّاب يجيدون الحفر في أعماق النفس البشرية. أذكر أن دوستويفسكي كان الأول، فقرأت له وقرأت عنه وعن أقرانه مما سمح لي الاطلاع - بصورة لا أٌقول كافية وإنما جيدة - على أعمال عظيمة، وعرفني بجلّ الكتّاب الروس. كافكا هو الفخ الذي أجد نفسي عالقًا فيه منذ أشهر، وقد كان في نيتي أن أنهي المجموعة التي في حوزتي في غضون شهر لا أكثر، فثمة رغبة في التفسير والوصول إلى أحكام مُرضية، وفي الوقت ذاته خوف من تفسيرات خاطئة، مما جعلني أراوح بين تكرار قراءة النصوص، العودة للنقاد، المقارنة ومحاولة الربط، اليأس والعودة من جديد. عرفت منذ البداية أن قراءة كافكا مغامرة غامضة تنطوي على القليل من التسلية، ولكنها بدت لي ذات أهمية، فحين يشدّك كاتب إلى أعماقك، تصبح المسألة مسألة شخصية بحتة، تعنيك وحدك لذا عليك أن تفهم، ولكن مع كافكا هل يمكن الحسم؟
إن لكافكا من بين جميع كتاب العصر الحديث مكانة منفردة، وخصوصية توضح الدور الرئيس الذي قام به النقاد تجاه أدب كافكا ومساهمتهم في انتشاره - عكس دوستويفسكي مثلاً الذي انتشر بفضل القرّاء - ، والذي يُعتبر مادة دسمة للدراسة والنقد بسبب قابليته للتأويل، وتناوله لقضايا تلحّ على الفرد والمجتمع المعاصرين، بشكل تنبّؤي كما يرى البعض. كافكا في حياته لم يُقرأ إلا من قبل نخبة وقلة من القرّاء الذين بدوا يائسين إزاء ما يكتب، ولم ينشر له إلا القليل مقارنة بما بعد. في رسالة من ناشر إلى كافكا: "أنت ونحن نعلم أن أفضل الكتب القيّمة لا تجد صداها فوراً، وإنما في وقت لاحق. ونحن مازلنا نؤمن أن الفئات القارئة الألمانية سوف تملك يوماً ما قدرة الاستيعاب التي تستحقها هذه الكتب". وهذا يتضح من خلال الاستفسارات والتفسيرات التي كان يردها كافكا أحياناً برفضٍ خجِل، وممن ساهم في هذه التفسيرات الخاطئة ناشرو أعماله، فهذا ماكس برود - صديق كافكا - ينسب أدب كافكا إلى اليهودية، وينسبه ناشر آخر إلى الأدب الألماني الأصيل، فيردّ كافكا: "هل أنا فارس على صهوة جوادين، للأسف إنني لست راكباً، وإنما مستلقٍ على الأرض". ولكن في الحقيقة عندما تقرأ بعض تعليقات كافكا على أعماله تجد أن حتى كافكا لم يكن على يقين، أهو راكب أم فعلاً مستلقٍ على الأرض، فآراؤه تجاه أدبه يشملها التناقض وعقدة التردد التي تحيط بحياته، وربما هذا سبب توقفه عن إتمام أكثر أعماله، وأنا أشك في وضعية الاستلقاء هذه فهي توحي بالهدوء، بينما يظهر على أدب كافكا القلق.
مما شكل تأثيراً وخلق لديّ مزيجاً من الحميمية والفضول تقاطع أدب كافكا مع حياته، فكافكا دائماً ما يقف في منتصف أعماله، فمن يقرأ يومياته ورسائله سيسهل عليه أن يحدد المشكلات الشخصية التي يتناولها في أدبه، مثل علاقته بوالده، الزواج، العمل، وغيرها. وكلما اشتد المأزق على شخصية من شخصياته الرئيسية تعاطفتُ مع الشخصية الواقعية، مع كافكا. بيد أن عبقريّته تكمن في فوق الشخصي - كما يقول ناقد - في ربط حياته الشخصية الواقعيّة بأدبه المتخيّل، ربطاً خضع لتوجيه واعٍ. لذا يرى ناقد أن أدب كافكا يفسر حياته لا العكس، أي ليس أدبه هو الذي يجب تعليله وتوضيحه بحياته، رادَّا به التحليل النفسي. ويمكن التنبّه لهذا التوجيه في أعماله أيضاً من خلال ما ذُكر عن الشخصيات التي غالباً ما يعطيها كافكا أسماء ترمز إليه مثل (ك.) في "المحاكمة" وهو يشير إلى الحرف الأول من اسمه ومثل (سامسا) في "الانمساخ"، وهو مطابق لكافكا بحرفي المدّ. فمادة كافكا إذاً هي كافكا، وأعماله ليست إلا إمكانات متخيلة لحياته، وهذه الإمكانات هي حياته "الباطنية الحلمية" كما يقول أو "العالم الداخلي الهائل الذي أملكه في رأسي".
عندما أمسكت الجزء الثاني من الآثار الكاملة والمعنون بـ (الذات) والذي يضم رواية "المحاكمة"، ونظرت إلى الغلاف الخلفي، تبدَّى لي الغموض من خلال صورة كافكا وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خجولة، ولكن نظرته بدت لي صارمة وليس لها علاقة بتلك الابتسامة، ومع أني أعتقد - كما يرى دوستويفسكي - أن الصور لا تعكس الحقيقة، إلا أني شعرت أن الصورة عكست انطباعاً تكوّن لديّ. وما إن قرأت التعليقات أسفل الصورة، وكيف أن الرواية فُسرت من مختلف مناهج النقد، حتى ازداد هذا الانطباع وضوحاً. إن الغموض أحد الأوصاف الرائجة لأدب كافكا، بل إن اسم كافكا صار يحمل دلالة على الغموض، ويكفي أن يُنسب إليه أي شيء فيقال (كافكاويّ) ليُفهم أنه شيء غامض، ولكن التساؤلات تظل قائمة: هل كافكا فعلا غامض؟ سوداوي؟ هل هو فعلا مؤسس العبثية أم إن أعماله لا تخلو من أمل؟ أم إنه من البداية لم يُقرأ بالطريقة الصحيحة ومن ثم لم يترجم بالطريقة الصحيحة؟ كل هذا وأكثر طرح للبحث وأعطى تحليلات وانطباعات في هذا الاتجاه أو ذاك. المترجم ابراهيم وطفي أدرك أن كافكا يجب أن يقرأ بطريقة مختلفة وبجهد غير معهود في قراءة الرواية، وهو يستشهد بقول غوته "هناك فرق بين أن تقرأ للمتعة وأن تقرأ للمعرفة"، فضمّ إلى الآثار دراسات وتفسيرات متنوعة، تتكامل أحياناً وتتباين أحياناً، ولم يتبن رأياً، بل اكتفى بالترجمة والعرض وترك المجال للقارئ ليأخذ حكمه. وهو جهد عظيم يهدف إلى تقديم كافكا بصورة تليق به، وإرشاد القارئ العربي إلى قيمة أدب كافكا. "كافكا وما من نهاية"، بهذا يعلق ناقد على الكمية الهائلة من الدراسات التي وضعت عنه.

 

(وافي المطيري، 2016)

© 2019 by kafka-ibrahim-watfe.com